الموسم

الوادي الذي يقع تحت البحر

يمتدّ غور الأردن نزولًا حتى أخفض بقعة على وجه الأرض. ماذا يحدث للربيع — وللعسل — حين يبدأ تحت مستوى سطح البحر؟

أوراق زيتون في شمس الأصيل أمام منظر ناعم ضبابي لتلال الأردن

اخرج من عمّان غربًا، وستبدأ الطريق بالنزول. تُفسح أشجار الصنوبر المجال لتلال جرداء متموّجة، وتشعر بالضغط في أذنيك، ويثقل الهواء ويدفأ. في مكان ما على الطريق تمرّ بلافتة صغيرة تشير إلى مستوى سطح البحر — ثم تواصل النزول. وحين ينفتح غور الأردن أمامك، أخضر منبسطًا يلمع تحت الشمس، تكون قد صرت أدنى من سطح أي بحر.

أخفض بقعة على وجه الأرض

الغور جزء من الصدع العظيم الممتد من سوريا حتى شرق أفريقيا. وهنا، بين جبال الأردن وفلسطين، هبطت الأرض حتى صار البحر الميت في طرفه الجنوبي أخفض نقطة على سطح اليابسة. أما أشجار السدر التي يرعاها نحلنا فتنمو إلى الشمال، قرب دير علا، على نحو مئتين وعشرين مترًا تحت مستوى سطح البحر.

الارتفاع — أو غيابه — يغيّر كل شيء. فالهواء الكثيف يحتفظ بدفء النهار حتى ساعات المساء، والشتاء معتدل لا يكاد يعرف الصقيع، والربيع يصل قبل أن يبلغ المرتفعات بأسابيع. ويغدو الغور، الذي يرويه نهر الأردن والقنوات القديمة الممتدة بمحاذاته، شريطًا أخضر طويلًا بين تلال بنيّة.

ربيع يأتي مبكرًا

يعني هذا للنحل موسمًا مبكرًا وسخيًّا. فبينما لا تزال الخلايا في الشمال متكتّلة في وجه البرد، يكون نحل الغور قد بدأ الطيران. يُزهر السدر في آذار، وفي نيسان يملأ عبيره الهواء. وتضيف بساتين الحمضيات والخردل البري وأزهار أطراف الحقول لمساتها، لكنّ السدر، في العام الطيّب، يبقى الصوت الأعلى بينها جميعًا.

غير أن الحرارة التي تمنح الغور خصبه تتطلّب عناية أيضًا. يضع نحّالونا الخلايا في ظلال الأشجار ومصدّات الرياح، ويُبقون الماء قريبًا منها، ويزورونها في برودة الصباح. ومع أواخر أيار، حين تتجاوز الحرارة خمسًا وثلاثين درجة، يذبل الزهر وتمتلئ الأقراص، فيحين وقت القطاف، ونقل الخلايا إلى هواء ألطف.

على عمق مئتي متر تحت البحر، يأتي الربيع مبكرًا، ويبقى دافئًا، ويترك وراءه عسلًا أغمق وأعمق.

ما يمنحه الوادي للعسل

العسل سجلّ للمكان. دفء الغور، وطول إزهار السدر، والتربة الغنية بالمعادن تحته، كلها تترك أثرها: لونًا كهرمانيًا عميقًا، وقوامًا كثيفًا متأنّيًا، ونكهة تميل إلى الكراميل والتمر أكثر من ميلها إلى الزهر.

لهذا يحمل كل ملصق من «موسم» اسم المكان والموسم، لا اسم العسل وحده. فالسدر من وادٍ أعلى وأبرد سيكون مختلفًا، وسدر هذا الوادي نفسه في الربيع القادم سيكون مختلفًا أيضًا. ولا نريده إلا كذلك.

نزول وعودة

في الغور إيقاع قديم: نزول في الشتاء والربيع حين تكون الأرض رحيمة، وصعود إلى التلال حين يحلّ قيظ الصيف. هكذا كان المزارعون يتنقّلون قديمًا، وهكذا لا يزال النحّالون يفعلون. وتسلك خلايانا الطريق نفسه: الغور للسدر، ومرتفعات عجلون الشمالية للأزهار البرية، والتلال الجنوبية للزعتر البري.

كل رحلة من هذه الرحلات تبدأ بالنزول. كل موسم… حكاية تبدأ من الطبيعة، وحكايتنا تبدأ من أدنى نقطة في العالم.