لماذا السدر؟ شجرة الصبر
شجرة شائكة لا تعرف العجلة، تُزهر في أخفض وادٍ على وجه الأرض. لماذا كان لا بدّ أن يأتي حصادنا الأول من السدر.
في غور الأردن شجرة تبدو وكأنها لا تطلب شيئًا. تنبت من الأرض المتشققة على ضفاف الأودية الجافة وعلى أطراف الحقول، أغصانها منخفضة شائكة، وأوراقها صغيرة لامعة في وجه الحرّ. يتركها المزارعون قائمة حين يستصلحون الأرض، ويستظلّ بها الرعاة في الظهيرة. كان أجدادنا يسمّونها «السدر» فحسب، ولم يكن أحد بحاجة إلى أن يشرح لماذا هي مهمّة.
شجرة تعرف الانتظار
السدر — أو «زيزيفوس سبينا كريستي» كما يسمّيه علماء النبات — شجرة صبر. تمتدّ جذوره في عمق الأرض أبعد مما يبلغه أي نبات آخر في الغور، باحثةً عن ماء نسيه السطح منذ زمن بعيد. يحتمل صيفًا تتجاوز حرارته الأربعين، وشتاءً قد يجود بأسبوع من المطر وقد لا يجود بشيء. ينمو على مهل، ويعيش أجيالًا، ويحتفظ بأوراقه حين تستسلم الأشجار الأخرى.
هذا الصبر هو ما شدّنا إليه. فبيت العسل الموسمي، في نهاية الأمر، وعدٌ بالانتظار: انتظار الزهر المناسب، وانتظار الخلايا حتى تقوى، وانتظار الأقراص حتى تمتلئ وتُختم في وقتها. والسدر يتقن الانتظار أكثر منّا جميعًا.
حين يُزهر الغور
يحلّ الربيع في غور الأردن مبكرًا. ففي آذار، بينما لا تزال ليالي التلال المحيطة بعمّان باردة، تكون أرض الغور قد دفئت، ويفتح السدر أزهاره: صغيرة، خماسية البتلات، بلون أخضر يميل إلى الذهبي، ومتواضعة إلى حدّ أنك قد تمرّ بشجرة في كامل إزهارها دون أن تلاحظها. لكنّ النحل يلاحظ. فمنذ أول الضوء يتنقّل بين الأغصان بطنين خافت متصل، ويفوح حول الأشجار عبير خفيف يشبه السكّر الدافئ.
ينقل نحّالونا الخلايا إلى الغور مع بداية الإزهار، ويتركونها بين أشجار السدر طوال نيسان وحتى أيار. لا شيء يُستعجل هنا. وحين تمتلئ الأقراص وتُختم، تُرفع باليد، قليلًا قليلًا، في ساعات الصباح الباردة.
السدر لا يستعجل، ولذلك لا نستعجل نحن أيضًا. كل مرطبان من الحصاد 01 هو ربيع كامل من الانتظار.
طعم الصبر
يُعرف عسل السدر من النظرة الأولى لمن خبِره. لونه كهرماني عميق يقترب من النحاسي في الضوء، وينساب من الملعقة ببطء في خيط سميك لا ينقطع. أول ما يلقاك منه دفء الكراميل، ثم شيء يشبه التمر المجفف، غنيّ وترابيّ قليلًا، وأخيرًا ختام خشبي لطيف يبقى طويلًا بعد أن تغيب الحلاوة.
ولأننا نتركه خامًا — يُستخلص برفق ويُصفّى مرة واحدة، دون تسخين أو خلط — يحمل كل مرطبان طعم الوادي الذي جاء منه والربيع الذي وُلد فيه. سدر العام القادم سيكون مختلفًا، وهذا بالضبط ما نريده.
لماذا كان لا بدّ أن يكون الأول
حين بدأنا «موسم»، كنّا نعرف أن حصادنا الأول يجب أن يقول من نحن. كان بإمكاننا أن نبدأ بشيء أسهل أو أكثر شيوعًا، لكننا اخترنا الشجرة التي عاشت عائلاتنا بجوارها دائمًا — تلك التي تطلب القليل، وتعطي بسخاء، وتعلّمك كيف تنتظر.
ولهذا أيضًا صار غصن السدر علامتنا. غصن السدر يرمز إلى الأصالة والطبيعة والبركة. كل موسم يحمل حكاية تبدأ من الأرض، وحكايتنا تبدأ هنا: تحت شجرة شائكة صبورة، في أخفض وادٍ على وجه الأرض، في أول الربيع.